لم يأتِ تصميم العملة السورية من فراغ، ولا كان مجرّد اختيار بصري عابر؛ بل جاء محمّلًا برسائل محسوبة.
فقد حرصت الحكومة السورية على الابتعاد عن تقديس الشخصيات، قديمها وحديثها، في ظلّ التنوع الواسع في معتقدات الشعب السوري، ولا سيّما في المرحلة الراهنة.
كما جرى الترفّع عن التغنّي بالتراث، رغم جماله وعمقه، للسبب ذاته؛ فسوريا ليست ثقافة واحدة، ولا حضارة واحدة، بل فسيفساء غنيّة من الحضارات والتقاليد، لا يمكن لعملة واحدة أن تختصر معالمها أو تسرد تاريخها الممتد عبر آلاف السنين.
ومن هنا، بدا الخيار الأكثر حكمة أن يتجه التركيز نحو الإنسان السوري ذاته؛ نحو رفاهيته، وبناء بنيته التحتية، وتذكيره بنِعَم سوريا العظيمة التي حفظت كرامته وإنسانيته.
نِعَمٌ عُرفت بها البلاد، واكتفت بها ذاتيًا، وصدّرتها عبر العصور، وكانت السند الحقيقي للشعب في أصعب الظروف
ففي ظلّ الفقر المدقع الذي خلّفه النظام البائد، لم يكن سرّ الصمود إلا ما حباه الله لهذه الأرض من بركة كامنة في ثرواتها الغذائية، وصناعاتها الزراعية، التي شكّلت عبر الزمن درعًا للحياة، وسببًا للاستمر
دعونا نكشف معًا أسرار كل رمزٍ نُقش على هذه العملة اللافتة حسب التسلسل بمساهمة كل منها على اقتصاد سوريا :

القمح المساهم الأول في الاقتصاد السوري : حياة وأمن غذائي
يُعتبر رمز الأمن الغذائي السوري
أساس الخبز، وهو عنصر لا غنى عنه في حياة الناس
ارتبط تاريخيًا بالاكتفاء الذاتي والاستقرار
الإنتاج السنوي (تاريخيًا): 3.5 – 4.5 مليون طن
حاليًا (تقديري): 1 – 1.8 مليون طن
نسبته من الناتج الزراعي: 30–35%
من الناتج القومي الإجمالي: ~ 4–5%
القمح هو أكبر مساهم زراعي لأنه مرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والدعم الحكومي.

الزيتون المساهم الثاني في الاقتصاد : هوية وجذور وصمود
شجرة مباركة ومتجذّرة في الأرض السورية
زيت الزيتون عنصر أساسي في الغذاء والتجارة
يرمز للصمود، الاستمرارية، والانتماء للأرض
إنتاج الزيتون: 900 ألف – 1.2 مليون طن
إنتاج زيت الزيتون: 150 – 200 ألف طن
نسبته من الناتج الزراعي: 20–25%
من الناتج القومي: ~ 2.5–3%
سوريا كانت ضمن أكبر 5 منتجين عالميًا في بعض السنوات.
العملة السورية الحديثةالقطن المساهم الثالث في الاقتصاد السوري : عماد الصناعة النسيجية والعمالة
يُعرف القطن السوري بجودته العالية
شكّل قاعدة أساسية لصناعة النسيج والملابس
وفّر فرص عمل واسعة من الزراعة إلى المصانع والتصدير
الإنتاج قبل 2011: 800 ألف – 1 مليون طن
حاليًا: أقل من 200 ألف طن
نسبته من الناتج الزراعي (تاريخيًا): 15–20%
من الناتج القومي (مع الصناعة): 3–4%
القطن كان محصولًا استراتيجيًا تصديريًا وليس غذائيًا فقط.

البرتقال أو الحمضيات ( المساهم الرابع ): خير الساحل وغذاء يومي
من أشهر منتجات الساحل السوري
مصدر غذائي واقتصادي مهم
عنصر رئيسي في التصدير والأسواق المحلية
الإنتاج: 1 – 1.3 مليون طن
نسبته من الناتج الزراعي: 8–10%
من الناتج القومي: ~ 1–1.5%
وفير الإنتاج لكن ضعيف التحويل الصناعي، لذلك نسبته أقل اقتصاديًا من حجمه الحقيقي.

التوت ودودة القز (المساهم الخامس ) : تراث صناعي وحِرَفي قديم
كان العمود الفقري لصناعة الحرير الطبيعي في سوريا
ارتبط بتربية دودة القز وخاصة في المناطق الريفية
مثّل مصدر دخل مهم للأسر، ورمزًا لحِرَف تقليدية عريقة
الإنتاج: محدود (آلاف الأطنان فقط)
النسبة من الناتج الزراعي: أقل من 1%
القيمة الاقتصادية: نوعية وليست كمية
أهميته تراثية وصناعية عالية القيمة رغم ضعف الكمية.

الجوري ( المساهم السادس ) : جمال سوريا وعطر تاريخها
رمز دمشق وسوريا عالميًا
يُستخدم في العطور، ماء الورد، والطب التقليدي
يحمل قيمة ثقافية وجمالية عالية
الإنتاج: مئات الأطنان سنويًا
النسبة من الناتج الزراعي: أقل من 0.5%
القيمة التصديرية: مرتفعة جدًا للكيلوغرام الواحد
قيمة رمزية وثقافية وتصديرية فاخرة لا تُقاس بالحجم.
وهكذا، لم يكن ما قامت به الحكومة السورية في هذا السياق مجرد قرار إداري أو توجّه رمزي، بل رسالة واضحة المعالم مفادها أن بناء سوريا الحديثة هو مشروعٌ تشاركي، يضمّ جميع فئات المجتمع وأطيافه دون استثناء.
رسالة تؤكد أن المرحلة القادمة تقوم على تجاوز الانقسام، وطيّ صفحات التضليل، وتوحيد الجهود نحو هدف واحد
بناء دولة قوية اقتصاديًا، تعتمد على ما تمتلكه من إمكانات حقيقية، وتُحسن استثمار مواردها، وتنمّي الإنسان السوري بكل تنوّعه بوصفه الركيزة الأولى لأي نهوض مستدام.
إنها دعوة إلى عهدٍ جديد، تُستعاد فيه الثقة بين الأرض وأهلها، وتُزرع فيه بذور البركة والوفرة، لا بوعدٍ نظري، بل بعملٍ مشترك وإرادة جامعة.
عهدٌ تُنسى فيه سنوات الانقسام، ويُستبدل فيها اليأس بأملٍ واعٍ، تُبنى به سوريا على أسسٍ من التماسك، والكرامة، والقدرة على النهوض من الداخل، وبما هو متاح، لا بما يُنتظر من الخارج.
إن قيمة العملة لا تُقاس بما يُطبع عليها من رموز فحسب، بل بما يحمله من يتداولها في قلبه ووعيه.
فحين يُقدّر الإنسان نعم الله على هذه الأرض، ويعي بركتها، ويشكرها فعلًا قبل قولًا، تكتسب العملة معناها الحقيقي، وتتحول من ورقٍ متداول إلى أمانةٍ ومسؤولية, وعلى المستوى الشخصي،
يبقى شكر الله على نعمه صباحًا ومساءً هو السبيل الأصدق لحفظ البركة، وزيادة الوفرة، وبناء مستقبلٍ أكرم لهذا البلد وأهله .


للتواصل مباشر
للتواصل مباشر